وزارة الداخلية تؤسس لنفسها جمعية غير حكومية

Al-Akhbar

بسام القنطار

NGOs

Viewed : 544

هي ليست المرة الأولى التي تبادر فيها جهة حكومية الى تأسيس جمعية غير حكومية بهدف تلقي هبات ومساعدات لصرفها خارج رقابة الدولة، لكن «الجمعية اللبنانية لتأهيل السجون»، التي أسسها الوزير نهاد المشنوق، ثم حلها ثم أعاد تأسيسها، يُخطط لها لتكون «الوكيل الحصري» لإصلاح السجون في لبنان. وأول الغيث منحة بملياري ليرة من بلدية بيروت

الوزارة الوصية على تأسيس المنظمات غير الحكومية تبادر الى تأسيس جمعية غير حكومية (NGO) لها. انها الوسيلة الاسرع لتلقي الهبات والمساعدات خارج اي رقابة مسبقة او لاحقة. في بلد وصل فيه مجموع الموازنات المعلنة للجمعيات غير الحكومية الى اكثر من 300 مليون دولار سنوياً، تصرف دون رقيب او حسيب، باتت فكرة تأسيس جمعية من هذا النوع تثير شهية الوزارات نفسها.

القصة بدأت في منتصف شهر آذار الماضي، حين وقّع وزير الداخلية نهاد المشنوق بيان علم وخبر (حمل الرقم ٤٤٨) بتأسيس جمعية باسم «الجمعية اللبنانية لتأهيل السجون». كانت تلك المرة الاولى في تاريخ الجمهورية اللبنانية التي يصدر فيها في الجريدة الرسمية بيان علم وخبر بتأسيس جمعية تضم اشخاصا معنويين من الدولة، اذ جاء في المادة الاولى من القرار ان المؤسسين هم «وزارة الداخلية والبلديات ممثلة بشخص الوزير، الامانة العامة لمجلس الوزراء ممثلة بشخص الامين العام، المديرية العامة لقوى الامن الداخلي ممثلة بشخص المدير العام، والمديرية العامة للامن العام ممثلة بشخص المدير العام». ترمي الجمعية الى تعديل القوانين المتعلقة بالسجون والشؤون الأمنية وادارات وزارة الداخلية

نحن اذا امام لجنة حكومية تضم وزيرا واربعة مدراء عامين، قرروا العودة الى قانون الجمعيات العثماني لتأسيس جمعية غير حكومية هدفها العمل على تأهيل السجون! ليست المرة الاولى التي تبادر فيها جهة حكومية الى تأسيس جمعية غير حكومية بهدف تلقي هبات ومساعدات لصرفها ضمن مشاريع تتعلق بصلب عمل الوزارات والادارات المعنية. فقبل سنوات وافق وزير الداخلية زياد بارود على اطلاق جمعية «أخضر دايم» تضمه الى سياسيين ورجال اعمال بهدف جمع تبرعات لشراء معدات وطوافات لاطفاء الحرائق. جمع في حينها ملايين الدولارات، وجرى شراء طوافات «سيكورسكي»، التي قدمت هبة لوزارة الدفاع لكونها الجهة الحكومية الوحيدة التي لديها طاقم فني قادر على قيادة الطوافات. برر الوزير بارود في حينها الخطوة بأنها ترمي الى تجاوز البيروقراطية الادارية وعدم وجود موازنة تسمح بشراء معدات، لكون مسألة شراء الطوافات لاخماد الحرائق ملحة وعاجلة. ولاحقاً قدمت الجمعية كشفاً باعمالها وآلية استدراج العروض لشراء الطوافات، التي توقفت منذ عدة سنوات عن العمل بسبب عدم تامين الاموال اللازمة لصيانتها. يؤكد مرجع قانوني (فضل عدم الكشف عن اسمه) ان هناك فارقا كبيرا بين تأسيس جمعية «أخضر دايم» وجمعية «تأهيل السجون»، لكون الاولى ضمت اشخاصا حقيقيين (غير حكوميين)، وهي لم تخالف القانون والدستور، فيما جمعية «المشنوق» خارجة على القانون، لان الادارت العامة التي الفتها هي ادارات حكومية مركزية، لا تملك شخصية معنوية منفصلة عن شخصية الدولة. وبما انه يمكنها الحصول على الهبات والمساعدات، فان التفسير الوحيد للجوء جهات حكومية الى تأسيس جمعية غير حكومية، هو محاولة الالتفاف على القوانين والحصول على اموال الدولة بطريقة غير مباشرة خارج اي رقابة مالية. لم يصدر اي اعتراض رسمي او اهلي على الخطوة، باستثناء مقال يتيم للمحامية غيدة فرنجية نشر في العدد ١٥ من مجلة «المفكرة القانونية». سألت فرنجية «هل هدف مؤسسي الجمعية، وثلاثة منهم ينتمون الى الوزارة نفسها، هو «توحيد معلوماتهم ام مساعيهم بصورة دائمة ولغرض لا يقصد به اقتسام الربح»، كما ورد في قانون الجمعيات؟ وأليس غريبا أن تؤسس ادارات تابعة للوزارة نفسها، جمعية بهدف توحيد جهودها لتأهيل السجون، ألا يعكس ذلك سعيا من قبل هذه الادارات للتملص من الأحكام القانونية التي تخضع لها الدولة وايجاد إدارة موازية خارجة عن أي رقابة؟ اسئلة المفكرة القانونية بقيت بدون اجابة، الى ان اصدر الوزير المشنوق قراراً حمل الرقم ١٢٥٦ نشر في عدد الجريدة الرسمية الرقم ٢٩ تاريخ ١٠ تموز ٢٠١٤، يقضي بحل الجمعية المسماة «الجمعية اللبنانية لتأهيل السجون» بناء «على طلب هيئتها الادارية اصولاً». لكن المفاجأة ان العدد نفسه من الجريدة الرسمية، وعلى الصفحة نفسها، صدر بيان علم وخبر جديد (حمل الرقم ١٢٥٨) بتأسيس جمعية جديدة حملت الاسم نفسه باللغتين العربية والإنكليزية، ولكن جرى تعديل في اسماء المؤسسين، فضمت في هيئتها التأسيسية الوزير نهاد المشنوق وفرانسوا باسيل بصفته الشخصية (رئيس جمعية المصارف) وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان ممثلة بشخص رئيسها محمد شقير، وهو ممثل الجمعية لدى الحكومة. ليس معلوماً بعد دور باسيل - شقير في مهمة اصلاح السجون، باستثناء انهما يمنحان الجمعية صفة غير حكومية. استفاض بيان العلم والخبر الجديد في شرح غايات الجمعية، التي ترمي الى العمل على تأهيل السجون اللبنانية وتحسين وضعها، وتأمين الارشاد الصحي والتعليمي والاجتماعي للسجناء، وهي غايات تتشارك فيها عشرات الجمعيات الاهلية التي تعمل منذ عقود على تأهيل السجناء ومساعدتهم. ولعله يجب الانتظار بضعة شهور لمعرفة ما اذا كانت الجمعية الجديدة سوف تحتكر هذه الانشطة! ام سيسمح لباقي الجمعيات باستكمال انشطتها التي تحتاج بالتأكيد الى موافقة وتوقيع «الوزير المنافس»! كذلك ستسعى الجمعية وفق بيان العلم والخبر الى تعديل القوانين المتعلقة بالسجون والسجناء والشؤون الامنية، والعمل على تطوير النظم العقابية في لبنان لتتوافق مع الاتفاقات الدولية لمنع التعذيب. وهنا لا بد من الوقوف عند عبارة «الشؤون الامنية»، وكيف سمحت المديرية العامة للشؤون السياسية في وزارة الداخلية بورودها ضمن اهداف جمعية غير حكومية. الغاية الثالثة من تأسيس الجمعية، الاهم بالنسبة إلى المؤسسين على الارجح، تأمين استشاريين تقنيين لبنانيين واجانب لاعداد دراسات وتنفيذ مشاريع تستلزمها احتياجات السجون وادارات وزارة الداخلية والبلديات! هذا يعني ان الجمعية توسعت في انشطتها من السجون الى الادارات العامة للوزارة، دون ان تكون هذه الادارات حصراً المعنية بادارة السجون. ولعل هذا البند يؤشر ايضاً الى ان التعهد الذي تقدم به لبنان امام مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة عام ٢٠١٠، وضمّنه الخطة الوطنية لحقوق الانسان، بنقل ادارة السجون من وزارة الداخلية الى وزارة العدل. ومن المعلوم ان مسألة نقل ادارة السجون الى وزارة العدل هي خطوة اصلاحية تاريخية، بادرت الى القيام بها غالبية الدول التي تحترم سجلها في حقوق الانسان. وتطالب الجمعيات الاهلية منذ سنوات بانهاء الوضع غير القانوني لمركز احتجاز الاجانب في نظارة المديرية العامة للأمن العام، تحت جسر العدلية، الذي لا تطبَّق فيه الأحكام القانونية التي ترعى السجون وأماكن الاحتجاز ومنها الأحكام التي تسمح للمحتجزين بمقابلة محام. اول غيث المساعدات التي تلقتها جمعية الوزير نهاد المشنوق لتأهيل السجون، هبة من مجلس بلدية بيروت الممتازة، الذي وافق في جلسة عقدت منتصف الشهر الماضي على منح الجمعية ملياري ليرة لبنانية. تجدر الاشارة ان قانون الجمعيات لا يعطي وزارة المالية اي صلاحية لمراقبة الاعمال المالية للجمعيات، باستثناء البند بالمتعلق بالضرائب على الاجور، وتكتفي الجمعيات بتقديم قطع حساب وموازنة سنوية، غالباً ما تكون وهمية، في الشهر الاول من كل عام، يلصق عليها طابع مالي بقيمة الف ليرة، لتضم الى ملف الجمعية في خزانة يأكلها العفن في وزارة الداخلية.

Source Link

Blog Roll